الاثنين، 2 أبريل 2018

قصة ( شريان وطن )



قصة ( شريان وطن )

***
إلى منتصف السبعينيات ،ومنطقة الدِّيَم شبه معزولة عن المناطق المجاورة لها ،ولا يربطها بها سوى طرقات وعرة لا يمر فيها الإنسان إلا بصعوبة ، وفي تلك الفترة فكر جيل الشباب وآباءهم بإصلاح طريق للحمير ،وبزمن قياسي أستطاعوا تجهيز الطريق ،بحيث تمكنوا من نقل أغراضهم على ظهور الحمير من منطقة حسنات ،،،
ولأن الفكرة الناجحة تلد أفكار جديدة أكثر نجاحا ،فقد فكروا بشق طريق للسيارة بعد نجاح طريق الحمير ببضع سنوات ،وهي فكرة جريئة ،بل ومستحيلة نظرا لعدة أسباب ،أهمها :
*صعوبة التضاريس
*بعد المسافة
*بداية الطريق تقع في أراضي تتبع قرية مجاورة
*عدد السكان قليل ،وجميعهم عمال. 
*القرية وحيدة ولن تنفذ الطريق منها إلى قرى مجاورة. 
ولأن الإنجازات تعتمد على عزائم الرجال ،فقد تغلبوا على جميع الصعوبات ،وشقوا طريقهم على الصخور الصماء ،ولم تمضي سوى ثلاثة أشهر حتى وصلت أول سيارة بقعة الكريف ،في وسط ذهول ودهشة جميع القرى المجاورة ،،،
وقد تكلل هذا النجاح بعد سنتين تقريباً ،بالتوسعة الأولى للطريق .
وللحفاظ على هذا المنجز التاريخي ،الذي نقل الدِّيَم نقلة نوعية ،وأخرجها من العزلة ،وأعتق سكانها من العذاب الأليم ،فقد تم تقسيم الطريق على الأسر في سابقة لم تعهدها أي منطقة من المناطق ،بحيث سُمّيت كل لفة بأسم أسرة من أسر الدِّيَم ،وأصبح لِزاما عليها صيانته سنوياً ،وأستمر هذا التقسيم ٣٠ عاما ،حتى نُقشت أسماء بعض الأروان في ذواكر الصغار والكبار ،وربما لن تزول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، لذلك ستجد هذه الأسماء تتردد على ألسنة السكان يوميا ،فتسمع على سبيل المثال :
رون عباس
ورون حميد
ورون عبيد
ورون عيال صالح
ورون ناجي
ورون عيال لطف
وتسمع كذلك الرون اليتيم الذي سيظل يتيماً ،مهما تقدم به العمر. 
وخلال الــ ٣٠ عاما تم مسح الطريق عدة مرات ،بعضها على حساب السلطات السياسية لغرض تحقيق مكاسب سياسية في تلك الفترات ،لعلم السلطات حينها أن الطريق هي أهم مشروع بالنسبة للسكان،،،
ونظرا للطبيعة الصخرية للمنطقة ،فإن التجريف المستمر للتربة بسبب الأمطار ،والذي يعقبه ردم بالأتربة في كل مرة ،تسبب بإنعدام التربة في بعض الأروان وظهور الهيكل العظمي للطريق ،ولم يكن هناك من حل سوى رصف الأروان التي تعرضت للتعرية ،،،
وفي عام ٢٠١١ م أتت فكرة الرصف ،وبدأ العمل الطوعي ،وخلال شهرين تقريبا تم رصف مايقارب الــ ٨٠٠ متر مربع ( رون الراعي + رون عباس + رون حميد + حرف العسر )
ولم يمضي سوى عامان على نجاح فكرة الرصف ،حتى ولدت فكرة متابعة مشروع رصف طريق الدِّيَم ،وقد سبق متابعته في مرثون طويل ،كما طُرح على مسؤلين عدة ،وبعد أشهر من المتابعة الأخيرة نزلت المناقصة ،وشرع المقاول برصف الطريق في عام ٢٠١٤م ،وقد كان هذا المشروع من أنجح المشاريع ،وتكلل نجاحه بزيارة تاريخية للمحافظ الرائع /شوقي هائل ،والتي تُعد أول زيارة لمحافظ محافظة تعز لمنطقة الدِّيَم ،حيث أعتمد حينها إضافة للمشروع بمقدار ٥٠% ،لم تنفذ بسبب حرب ٢٠١٥ م التي تسببت بإيقاف العمل في الربع الأخير من الطريق ،بالإضافة إلى رونين في حسنات ،بل وكانت سبباً لفقد القرية لــ ١٦ شهيد ،ونزوح ٩٠% من سكان القرية ،وفرض الحصار عليها ،وبذلك عادت القرية إلى العزلة مرة أخرى في عام ٢٠١٦ م لخطورة المرور في الطريق ،
وفي عام ٢٠١٧ م عادت الموتورات لتنقل أغراض الناس إلى نهاية الطريق المرصوف ،وتحديدا إلى الثلث الأخير من رون عيال لطف ،ولذلك كان على الأهالي الإعتماد مرة أخرى على الحمير لنقل أغراضهم من نهاية الرصف إلى القرية ،،،
وفي منتصف عام ٢٠١٧ م تم رصف ١٠٠ متر تقريباً في حسنات بتعاون الجبهة الشرقية لغرض إنساني وعسكري ،كون ذلك الجزء من الطريق قد أصبح جزء من طريق شقته الجبهة يربط أربع قرى ،،
وفي نهاية ٢٠١٧م وتحديدا في ديسمبر وبعد عدة دعوات من أهالي القرية بالشروع برصف ولو متر واحد من الطريق بطول ٣٠٠ متر هي المسافة التي لم يتسنى للمقاول إكمالها نظرا لظروف الحرب ،
بدأ مجموعة من الأهالي برصف متر لتسهيل مرور المتورات ،ومع مرور الأيام وزيادة نسبة التجاوب والمشاركة في هذا العمل أزدادت مساحة الجزء المرصوف نموا ،كشجرة مرت خلال أربعة أشهر بجميع الفصول ،ولكن ليس بالترتيب المعتاد ،وإنما بترتيب آخر ،فكان الخريف أولا ثم الشتاء ،ثم الصيف ،
وها هي اليوم في فصل الربيع الذي بقدومه تفتحت أزهارها ،وأصبحت تسر الناظرين ،بل وانتشر عبيرها ليعطر الأرجاء ،،،
وماهي إلا أيام لتثمر وسيظل الجميع يقطفون ثمارها إلى الأبد ،،،

محمد أحمد الدِّيَم  ٢٠١٨/٣/٢٠ م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق