عميقة ...سلّة العروس
منطقة عميقة من أجمل مناطق جبل صبر
حيث تتربع على قمّة الجبل.
التّسمية
لو حلّلنا اسم عميقة تحليلًا لغويًا لوجدنا إن كلمة عميقة جمعها عُمق
والعمق يعني القعر أو القاع
فنقول : عمق البئر ، كما نقول : عمق الوادي
وتعني كذلك الوسط
فنقول : عمق الليل
أي وسط الليل
ولو دقّقنا في المعنيين لوجدنا إنّهما ينطبقان على عميقة من ناحية الموقع والتّضاريس المحيطة بها
فهي تقع في الوسط
أي تتوسّط واديين عميقين ( مُقعرين ) أحدهما في الغرب ويسمى وادي الحجن، والآخر في الشّرق ويسمى وادي الوجيه ،
الموقع
عميقة بحكم ارتفاعها تبدو أحيانًا وكأنّها تمتطي ظهر السّحاب ،ولكن في الغالب تغشاها السُّحب فتنكمش بين أحضانها حياءً وخجلًا.
وعلى ذكر قصتها مع السّحاب ،فإن لها قصّةٌ أخرى مع الشّمس ، فهي تعشق الشّمس إلى حدّ الهيام ،وينتقل هيامها بالشّمس في جيناتها إلى أبنائها ،حيث تزاور الشّمس عنهم ذات اليمين ،وتقرضهم إذا غربت ذات الشمال ،كأصحاب الكهف الذي يقع مسجدهم في قمّة جبل صبر.
فهم يعشقون الشّمس منذُ نُعومة أظافرهم
مما يجعلهم يصحون باكرًا لينعموا بدفئها ،فيجلسون في أماكن تسمى ( المجارين ) والتي خُصصت لعناق الشّمس ومجاورتها في فترة الصّباح (وإن كان لها غرض أخر ) ،وبعد صلاة الظّهر ينتقلون إلى الأماكن المُخصّصة للعناق والمجاورة المسائيّة ، وعلى مدار ساعات النّهار يستمتعون بحرارة الشّمس الّتي تغمرهم باالدّفئ حتى يأتي المساء ،وبمجرد أن تغرب الشّمس يهرولون إلى منازلهم خشية أن يسلبهم سقيع الّليل ما ادّخروه في أجسادهم وملابسهم من دفئ معشوقتهم.
هذا حال سكان القمّة الذين يرتبطون مع الطّبيعة بروابط متينة ،وعلاقات وثيقة دون غيرهم.
فكما إنّهم مُغرمون بالسُّحب التي تُعتبر من أكثر الزّوار لهم ،فتجد كلّ منهم يحتضن الآخر ويقبّله ،فإنّهم كذلك يعشقون الشّمس إلى درجة إنّهم يُسايرونها ، ويتحركون بحركتها ،ولولا قدوم الّليل لأكملوا دورة كاملة حول الشّمس كالكواكب والنّجوم.
فكم يحرصون في المجارين أن تظلّ أشعة الشّمس مُتعامدةً على أجسامهم طيلة السّاعات المُشمسة كأزهار عبّاد الشّمس.
وفي مراتٍ عديدة لا تستمر متعتهم بالشّمس طويلًا نظرًا لغيرة السّحاب التي ما تلبث أن تهاجمهم ،ليس هجوم العدو وإنما هجوم المحبّ الغيور على أحبابه.
وعلاقتهم الحميمة التي تربطهم بالسّحاب والشّمس لا يفسرها إلا سبب واحد ألا وهو مجاورتهم للسّحاب والشمس.
بحيث إنهم يتشاركون المكان والزّمان ،حتّى ألفوا بعضهم ،فأصبح كلٍّ منهم يتشبّث بالآخر ،ويحنّ إليه ،ويستأنس به.
فما أروع الإندماج مع الطّبيعة.
وما أجمل التّعلّق بها.
وتعتبر المناطق الواقعة على قمّة جبل صبر هي الجناح المُخصّص لمحافظة ذمار في متحف محافظة تعز المفتوح ،والذي يضمّ أجنحة بعدد محافظات اليمن السّعيد ،وذلك لاختلاف تضاريس مُديريات تعز باختلاف ارتفاعها عن سطح البحر ،لذا تتنوّع محاصيلها الزراعية باختلاف المناخ.
فهناك المناطق السّاحلية وهناك ،مُديرات جاثمة على الهضاب ، وهناك مُديريات على المرتفعات الجبلية التي يتفاوت ارتفاعها من مُديرية إلى أخرى.
وقمّة جبل صبر تعتبر من أعلى القمم في الجزيرة العربية.
وعميقة تحتل جزءً واسعًا من القمّة وتقابل في الارتفاع تقريبًا ذمار ،ولذا فإنّها تُشابهها بالمناخ والمحاصيل الزّراعية.
ففي عميقة يُزرع القمح والشّعير والفول والعدس والثّوم ،والحلبة ،والبطاط وغيرها من منتجات المناطق الباردة ،ولهذه الميزة فقد كانت عميقة السلّة الغذائية للعروس الذي كان قديمًا حاكمًا في حصن العروس الغني عن التّعريف ،حسب الرّوايات والأساطير.
كما إن منطقة عميقة تعتبر الأم التي أنجبت عدد من القرى مثل الدّيم والمخشاب ،والمديهين ،وأبعر ،ولها أبناء كذلك في منطقة المرزوح
حيث تعود أصول معظم سكان القرى المذكورة إلى عميقة الأم ،ونحن منهم ،حيث لنا فيها أهل وأصدقاء وزملاء نحمل لهم كلّ الودّ والاحترام ، لذلك فهي تشكّل العمق التّاريخي والجغرافي ،والأقتصادي ،والاجتماعي للمناطق المذكورة أنفًا ،فلا غرابة أن يكون لها من اسمها نصيب.
***
محمد الدِّيَم 2024/10/30م