الأحد، 10 نوفمبر 2024

المرزوح ...سحر المكان ،وعراقة الإنسان


المرزوح..سحر المكان وعراقة الإنسان

تبدو منطقتي المرزوح وقراضة كصفحتي كتاب مفتوح ،تقرأه مدينة تعز وهي مستلقية على ظهرها منذُ خلق الله الأرض ومن عليها ،فلا هي شعرت بالملل ،ولا نفد محتوى الصّفحتين الزّاخرتين بآياتِ اللّه في أرضه وسمائه.

نعم
صفحتي كتاب حروفهُ وكلماتهُ تعجُّ بالحياة.
مناظر طبيعية خلّابة تطلُّ على مدينة تعز ،حيث يحتضن الجبل السّهل ،والرّيف يعانق المدينة ،والمناظر الطّبيعية الخلّابة تطلّ على الأحياء السّكنية لمدينة تعز ،فتشكّل لوحةً رائعةً يتداخل فيه جمال الطّبيعة وجمال العمران.
خلال دقائق معدودة ،تستطيع أن تنتقل من مدينة تعز عبر الطّريق الإزفلتي إلى جبل صبر ،وأول منظر يجذب انتباهك ،ويستولي على تفكيرك هو منطقتي قراضة والمرزوح ،حيث يفصل بينهما وادي عميق ،فتبدوان كصفحتي كتابٍ طبيعي أحرفهُ وكلماتهُ من البشر والشّجر والحجر ،والمساكن المُتناثرة على صفحتي الجبل كحبّاتِ الدُّر المنثور على سُجّادةٍ خضراء.

منطقة المرزوح
المرزوح تحتلّ الصّفحة اليُمنى من الكتاب ،وتكون على يسار الزّائر ،حيث تتّسع المساحات الخضراء في أسفل الصّفحة ،ثم يقل الإتساع تدريجيًا كلّما امتد إلى أعلى بسبب تضاريس المنطقة.

التّسمية:
المرزوح هي كلمة تم تحويرها من (مرزح)
والمرزح في معاجم اللغة هو الخشبة التي يُرفع بها فروع الأشجار ،حتى لا تلامس الثّمار الأرض.
ويطلق على تلك الخشبة (دعمة) لأنها تدعم فروع الأشجار ،وهي كذلك تسمية فصيحة.
ومن خلال النّظر في تضاريس منطقة المرزوح نجد إن جزءًا كبير منها عبارة عن كُتل صخرية صماء وضخمة (ضياح) تنتصب بشكل عمودي وكأنها تسند الجبل وتدعمه .
أو كأنّ الجبل يتكئ عليها.
وستظل ترزح تحت وطأة الجبل.

وهذا هو أقرب تفسير للتسمية.

الطّريق إلى المرزوح.
تعتبر منطقة المرزوح من أقرب المناطق الرّيفية إلى مدينة تعز.
فبمجرد أن تجتاز (المُجلّية ) الحي الرّاقي في مدينة تعز ،وتبدأ سيارتكَ تدور في مُنحنيات طريق صبر والتي تشبهُ مدارات لولبية تقودكَ إلى السّماء.
بعد ثلاثة مُنحنيات تستقبلكَ عدد من الاستراحات الحديثة في يسار الطريق ،وخلال لحظات تصل منطقة (القفعة) أول منطقة سكنية من مناطق قراضة ،وهنا تكون مُجبرًا على مغادرة السّيارة ،والسّير على الأقدام في إتجاه منطقة المرزوح.
حيث تسلك طريق فرعي قصير ،ثم تعبر على جسر حديث تم إنشاؤهُ لعبور المشاة فوق سائلة القمط ،بينما هو في الواقع يُعتبر بوابة المرزوح العجيبة ، والتي تنقل المُشاة عبر آلة الزمن من غاباتِ الإسمنت والأحجار والإزفلت إلى غابة من الأشجار الوارفة التي تلقي بظلالها على الأزقة فتغمر العابرين بظلّها ،وتطيّب أنفاسهم بعبيرها ،وتسعد أرواحهم بألوانها وثمارها ،وتعطّر أفئدتهم بعبق الماضي العريق ،وسحِرهُ المنبعث من الأشجار والأحجار والثّرى.

سحر الطّبيعة في المرزوح
في المرزوح تتداخل المساكن مع الطّبيعة تداخل بديع ،إلى درجة إنها تُصبح جزءًا منها.
وفيها تقودك الدّروب على جانبي الطّريق لتصعد عبر درج تتماهى مع الطّبيعة ،وهي متفاوتة الارتفاع ،فتصعد في أزقة تظلّلها غالبًا أشجار البلس ،والتوت وكذلك القات ،فتضفي عليها جمالًا ،وسحرًا يسلبان لبك ،ويستحوذان على تفكيرك ،فتجد خُطاك تتابع على إيقاع تتابع أنفاسك ،ونبض قلبك الذي لا يتوقف عن التّصفيق من شدةِ فرحهِ وحبوره.
في المرزوح تكحّل ناظريك بألق الرّيف ،وتملأ رئتيك بأريج الأزهار ،وتشنّفُ مسمعكَ بأصواتِ العصافير ،وتنعش روحك بعبق التّاريخ ،المنبعث من جمالِ المكان ،وعراقةِ الإنسان.
وبها تجد أن كلّ مكوناتِ الطّبيعة تُرحبُ بك ،وتحتفي بمقدمِك بحفاوةٍ لا توصف.
كيف لا
والدّروب تتشبّث بكفك لتقودكَ إلى أعلى ،ودرج الطّريق العتيقة تتسابق على جرّ خُطاك ،والنّسيم العليل يقبّلُ جبينك ،وأريج الأزهار يسري في شرايينك فيثمل جوارحك ،ويجعلها تترنّح من لِذّةِ اللّقاء ،وفي حين تحاول الأشجار أن تمدّ فروعها لتقيكَ من حرارة الشّمس ،تحاول الشّمس أن تتسلّل وتسترق النّظرات من بين أغصان الأشجار على استحياء كعذراء في خدرها.
ومن أهم المعالم الأثرية التي كانت على جانب الطريق في المرزوح (سواقي الماء )التي كانت من روائع الزمان ،وكانت تضفي على المكان سحرًا وروعة ،وقد تم إزالة أجزاء كبيرة منها ،بعد استبدالها بشبكة مياه ،والإستغناء عنها.

معاناة سكان المرزوح
ما يُميّز منطقة المرزوح عن غيرها من المناطق هو إنّها منطقة طبيعية بكر ،لم يطمثها شيول أو بكلين ،لعدم وجود طريق سيارة فيها.
وإن كان الحرمان من الطّريق قد سبّب الكثير من المُعاناةِ للسكان خلال العقود الماضية إلى لحظة كتابة هذا المقال ،فهناك الكثير من القصص الواقعية التي تُعبّر عن مآسي عاش أبناء المنطقة كل تفاصيلها أثناء إسعاف مرضاهم ،حيث يحملونهم على أكتافهم في أزقّة مُتعرجة مما يُنهك المُسعفين ،ويفاقم حالة المريض الذي قد لا يُسعفه الحظ بالوصول إلى المشفى ،في رحلة تحديد المصير ،قبل أن تُفارق روحه جسده.
وهناك جهود حثيثة يبذلها أبناء المنطقة ،وكذلك السّلطة المحلية لمواصلة شق طريق المرزوح ،والتي ستكون عند استكمالها منجزًا عظيمًا يحسبُ لكلّ من سعى وساهم في إنجازه.
ولو كان هناك جهات تهتم بالحفاظ على الغطاء النّباتي ،وتهتم بالجانب السّياحي كما هو الحال في الدّول المتقدّمة ،لأنشأت جسور مُعلّقة لخدمة السكان.
لأنّ الطّرق من ألد أعداء الطّبيعة ،حيث تعمل على إلتهام جزءًا كبيرًا من الغطاء النّباتي ،كما تعمل على تشويه المنظر الطّبيعي الذي تشكّل خلال مئات السنين.

الزّراعة في المرزوح
ولذا فإن المرزوح ما زالت تحتفظ بطابعها الذي لم يؤثر فيه السّكان إلا إيجابًا ،حيث أنشأوا المدرجات الزّراعية ،وغرسوا أنواع مختلفة من الأشجار المثمرة لتكون المرزوح من أهم المناطق المنتجة للثمار في جبل صبر.
حتى أصبح يُضرب بثمارها المثل لجودتها ،ومذاقها المميّز ،كما كتب عنها الشّعراء ،وغنّى كبار الفنّانيين مثل الفنان أيوب طارش في أغناياته 
فراسكِك واصبر
واشتي بلس
وهي من كلمات الشاعر الكبير الفضول.

وإن كانت شجرة القات هي المُسيطرة على معظم المساحات الخضراء في منطقة المرزوح ،إلّا أن هناك الكثير من الأشجار المثمرة ،التي تتخلّل أشجار القات ،وتحاول جاهدةً على الحفاظ على وجودها في المنطقة ،والحفاظ على مكانتها المرموقة.
ومن أهم المِنتجات الزّراعية في منطقة المرزوح : البلس ،والفرسك ،والتّوت ،والمشمش.
وهناك أشجار في طريقها إلى الإنقراض مثل :
السّفرجل ،والرمان والموز.

فُلّة المرزوح
في المرزوح شجرة نادرة ،نمت من ذاتها ولم يغرسها الإنسان ،وتسمى (الفُلّة).
وهي شجرة مُعمّرة ،ودائمة الخُضرة ، يزيد إرتفاعها على 6 أمتار ،وتزهر مرة في العام ،وتحديدًا في شهر نيسان (مايو ) حيث تتفتّح أزهارها وقت السّحر ،وهي أزهار شديدة الصّفرة ،لها رائحة الفل النّفاذة ،وتصل طول بتلاتها إلى 4 سم.
وقد حاول السكان عدّة مُحاولات لإنتاج شتلات من هذه الشّجرة ،إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل.
.
.
للموضوع بقية
***
محمد الدِّيَم 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق