السبت، 2 نوفمبر 2024

ثعبات...فردوس ملوك بني رسول

ثعبات ...فردوس ملوك بني رسول
لا أدري من أين أبدأ 
فثعبات هي المنطقة الوحيدة التي عندما تخطر في بالي تتزاحم الذّكريات ،
فيتداخل البشر بالشّجر والحجر والأثر.
نعم
هناك ذكريات كثيرة سأذكر جزء منها ولن يتّسع المجال لذكر الجزء الآخر ،لذلك سأحتفظ به لنفسي.

*التّسمية
إذا حلّلنا كلمة "ثعبات" لغويًا سنجد أنّ كلمة "ثعبات" اشتقت من الفعل ثَعَبَ
وثعب تعني : سال 
فنقول : ثعب الماء ، أي سال الماء
قال صلّى الله عليه وسلم:
"يجيء الشّهيد يوم القيامة وجرحه يَثعُبُ دمًا"

والثَّعب: هو مسيل الماء وجمعه ثُعبان

مما سبق نجد أن ثعبات هي جمع مسيل الماء.
وتعني المكان الذي تكثر فيه سواقي الماء وهذا يطابق الواقع.
وربما تم استبدال النون بالتاء مع مرور الزمن.

*مميزات ثعبات
لعل ما يميز ثعبات عن غيرها هو
إنّ لذكرياتها طعم ،ورائحة ،وإيقاع في النّفس. 
لذلك عندما تخطر في الذّهن تعمل جميع الحواس.
فتمتزج ذكراها بطعم الرّمان ،ومذاق الفرسك ، والبلس.
كما تعبق ذكراها بنكهة الأزهار ،وأريج المشاقر ،بالإضافة إلى عبق التّاريخ الموغل في القدم.
ولا غرابة أن يصاحب ذكراها صوت دردشة المياه في السّواقي ،وتغريد العصافير.
كل ما سبق تتزاحم في الذاكرة عندما نذكر ثعبات ،بل وتتسابق وكأنّها في مضمار سباق.

وأجمل الذكريات هي التي لا تستحضرها ذواكرنا فقط ،وإنما تُشغّل جميع حواسنا ،فكما تتكون لها صور في الذّاكرة ،يكون لها مذاقًا ،ورائحةً ،وإيقاعًا.
كما هو الحال بالنّسبة للذّكريات المرتبطة بثعبات.
*تاريخ ثعبات
كيف لا وهي من أجمل مُنتجعات الدّول القديمة التي اتخذت من تعز عاصمةً لها.
ومن أبرز تلك الدّول الدّولة الرّسولية
دولة ملوك بني رسول التي حكمت اليمن ،وجزء من عمان ،وجزء كبير من السّعودية 232 عاما ،وتحديدًا من عام 626هـ إلى عام 858هـ.
ومن أشهر ملوكها:
المظفر ،والأشرف ،والمجاهد ،والمؤيّد ،والطّاهر (يحي ابن إسماعيل)
دولة المساجد الفخمة ،والمدارس العظيمة ،والحصون المنيعة ،والأسوار العالية ، والمدن الجميلة ،ومن أجملها وأروعها مدينة ثعبات ،التي كانت بمثابة مُنتجع سياحي للملوك والأمراء.
وفيها يتم استقبال كبار الضّيوف في قصورها والتي من أشهرها دار السلام عام 1297، والخورنق والسّدير وقصر المعقلي والمنتحب، وقد أسهب المؤرخون في وصف هذا القصر الذي استمرت عمارته سبع سنوات إسهابًا شديدًا.
وفيها يخلد الملك للرّاحة والاستجمام ،لاجتماع جميع عوامل الرّاحة فيها،  كما جاء في المراجع التّاريخية المختلفة ،ومن أهمها كتاب ( العقود اللؤلؤيّة في تاريخ الدّولة الرّسولية ) للخزرجي.
وما تزال الكثير من الآثار التي لم يتم العبث بها بقصد أو بدون قصد شاهدةً على تلك الفترة الذّهبية لثعبات خاصة ، ومدينة تعز عامة ،ومن أهم الآثار التي ما تزال باقية بركة أقمار ،وأجزاء من سور مدينة ثعبات ،وجزء من البحر ،وأحد المساجد.

*التعامل مع المعالم الأثرية. 
كل زاوية من ثعبات فيها معلم أثري ،وقد تعرضت للعبث خلال القرون الماضية ،حيث كان أخرها هدم الجامع الكبير ،والذي كان من أهم المعالم التي يزيد عمرها عن 700 عام ،أي بنفس عمر الأشرفية وجامع المظفر .
ولكن ذلك لم يتكرر عند توسعة المسجد الأوسط أو ما يسمى بالمسجد الأحمر ،حيث حرص القائمون على توسعة المسجد على الحفاظ على المسجد القديم ،الذي مازال في جداره الدّاخلي أحجار منحوت عليها آيات وعبارات بالخط الكوفي المُزخرف والجميل.
ولا أدري ما الذي دفعهم إلى تلوين تلك الأحجار والكتابات ،مما أفقدها قيمتها التّاريخية.
حيث أن الآثار لا تلوّن ،وإنما ترمّم إذا كانت بحاجة إلى ترميم ،ويتم التّرميم بدقّة ومهارة عالية بحيث يصعب إكتشاف مواضع التّرميم.

كما إن هذا التّاريخ العريق ،والموروث العظيم يستحق الدراسة ،وجمع المعلومات عنه من جميع المراجع التّاريخية في كتاب ،يقرأه الصغار والكبار ،ليدرك هذا الجيل أهمية وعظمة ماضيه ،فيكون حافز للإعتزاز بالماضي ،والإهتمام به ،وحمايته.

*المجتمع في ثعبات.
مما يميز المجتمع في ثعبات هو إنه مجتمع ريفي متحضر ومتعلم وفيه من الكوادر المؤهلة في جميع المجالات.
ويعود ذلك لأن ثعبات من الضّواحي القريبة لمدينة تعز ،بالإضافة إلى مدنيتها التّاريخية ،حيث كانت مدينة قبل أن توجد المدينة الحالية.
وهذه التّركيبة من النّادر أن تتوفر في مجتمع آخر ،نظرًا لأنها تجمع إيجابيات الرّيف ،والمدينة ،ويتجسّد ذلك في عدّة أمور ،أهمها ارتباط الكثير من أبناء المجتمع بالأرض وحرصهم على فلاحتها ،بالإضافة إلى  التّعامل الرّاقي للمجتمع مع الزائرين والعوائل التي تزور المنطقة بشكل يومي.

*والمُحزن اليوم 
أن المدينة بدأت تزحف بعمرانها ،وثقافتها المعاصرة ،نحو هذه الحديقة الزاخرة ، بالآثار ،والأشجار ،والماء ،والطّيور ،والبشر.
حيث بدأ العمران يلتهم أجزاء واسعة من ثعبات ،ويستبدل الأشجار ،والمساحات الخضراء بالكتل الخرسانية والإسمنت.
كما يستبدل خرير المياه ،وتغريد العصافير بالضّجيج.
ويستبدل أريج الأزهار ،وعبير المشاقر بأدخنة السّيارات ،وعوادم الدرجات.
وما ذكرناه سابقًا من تهديد هو تهديد مادي.
وهناك تهديدات أخرى معنوية تأثيرها أوسع وأخطر.
لأنّ التّمدن لا يلتهم الأشجار والمساحات الخضراء فقط ،وإنما يلتهم الكثير من العادات ، ويلغي معظم التقاليد ،كما يؤثّر على السّلوك والتّعامل الإنساني.

وإن كان البعض يظن إن للإعمار إيجابيات ، فإنّني لا أجد إلا سلبياته ،وخصوصًا على ثعبات والسّبب هو إنّ من السّهل إنشاء مدن على أي رقعةٍ من الأرض.
ولكن من المستحيل أن تُنشئ ثعبات أخرى.
 
فهي جنّة ملوك بني رسول تاريخيًا.
ومتنفس مجاني ، من متنفسات مدينة تعز في الوقت الحاضر.
حيث يأمّها الكثير من الزّوّار الذين ينجذبون إليها كما تنجذب النّحل إلى الأزهار.
فيقصدونها ليكحّلوا أعينهم بالخضرة الدائمة ،ويطيّبوا أنفاسهم بهوائها المعطر برائحة الأزهار ،ويشنّفوا أذانهم بصوت العصافير ،والماء في السّوقي ،ويريحوا أرواحهم بسحر المكان المُشبّع بعبق التاريخ ،وأريج الحاضر.
وهذا ما جعلها أشبه بواحة في قلب صحراء قاحلة ،يلجأ إليها سكان المدينة ليخفّفوا على أنفسهم من وطأة الكآبة ،ولسعة الحر ،وغيمة الغبار والأدخنة ،وشدّة الإزعاج.
إنها مشفى مفتوح ،وصيدليّة طبيعية ،ومصدر طاقة روحيّة تريح النّفس ،وتطيّب الخاطر.

فضلًا عن كونها مدينة أثريّة ، تربض على كنوز عدد من الممالك القديمة.
 ولا أقصد بالكنوز المجوهرات ،وإنّما كلّ ما تحتويه هذه المدينة من تراب وأحجار وجدران ومنشآت ظاهرة أو باطنة،كل ما ذكر يعتبر من الكنوز الثّمينة والنّادرة التي لا تقدر بثمن ،وجزءً من التّراث الإنساني والعالمي الذي يجب الحفاظ عليه وحمايته ،بموجب القوانين والمواثيق الدّولية.

 لذا فإنّ الزّحف العمراني والتّخطيط الحضري  يعتبر  إنتهاكًا لخصوصية ثعبات ،وتعديًا على غطائها النّباتي ،وطمسًا لمعالمها وهويتها التّاريخية وضياعًا لقيمتها الأثرية ،ومسخًا لها من واحةٍ غناء إلى غابةٍ من البناء ،الذي لن يضفي على المكان إلا كآبةً ،وكُربةً ،وشقاء.
وهذا ما ستشعر به الأجيال القادمة ،وتعضّ عليه أنامل النّدم.
لأن المصلحة الآنيّة التي تقوم على حساب عوامل بقاءك ،وسر صحّتك ورخائك ،وأطلال تاريخك ،وتراثك هي في الحقيقة مَضرّة ،وخسارة فادحة عليك وعلى غيرك ،ويستحيل تُعويضها.

ولو رجعنا إلى الماضي القريب لوجدنا أن الجيل السّابق،ونقصد أباء وأجداد هذا الجيل .
فقد كانوا أشدّ حرصًا على بقاء منطقتهم كما هي ،حيث كانوا من أشدّ المعارضين لشق الطّرق في ثعبات.
وإن كانت الغاية مختلفة ، إلا إن القرار كان صائبًا وحكيمًا.
 
وعلى ذكر الأجيال المتعاقبة في ثعبات ،فإن جيلنا هو آخر جيل عرف ثعبات حق المعرفة.
كيف لا وقد كانت محطّة يجتمع فيها طلاب الدّيم ،والمرزوح ،وقراضة ،وثعبات ،الذين يمرون فيها ذهابًا وإيابًا في ثمانينيات  وتسعينيات القرن الماضي.
وكان مرورهم فيها جزءً من الروتين اليومي في معظم أيّام السّنة ، واستمرّ طيلة سنوات التّعليم الأساسي والثّانوي وكذلك الجامعي ، فكنّا نتسابق في أزقّتها ، ونتسلّق على أشجارها ،ونتسبّح في مسابحها ،ولم نلق من مجتمعها إلا كلّ خير.
وكلّما مرّيت في أزقتها الآن أشعر بإحساس عجيب يشدّني إلى الماضي التّليد ،وكأنّ المكان مازال مُشبّعًا بهالة حضارية ،وتأثير سحر الماضي العريق ، مما يشعرك بالنّشوة ،ومحاولة الإنجذاب عبر بوابة الزمن إلى تلك العصور.
*تفسير العلم الحديث لهذه الظاهرة.
وقد فسر العلم الحديث هذه الظاهرة بما يسمى "احتفاظ المكان بالطّاقة" ،حيث أثبت إن الأماكن تحتفظ بالطّاقة إلإيجابية أو السلبية للمجتمعات الذين أقاموا فيها.
وهو تفسير منطقي لمشاعر الإرتياح ،والروحانية ،والسّكينة في الأماكن المقدّسة ،وبعض المزارات الدّينية ،حيث تكون مشبعةً بالطاقة الإيجابية.
أما الأماكن التي يحصل فيها أثم فتكون مشبّعةً بالطّاقة السّلبية التي تلحق الضرر بالصحة النفسية ،والجسمانية للإنسان ،وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن المرور أو المبيت في مناطق المعذّبين ،فعن ابن عمر رضي الله عنه إنّ النّبي صلّى الله عليه وسلم لمّا مرّ بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين" ثم قنع رأسه وأسرع السّير حتّى أجاز الوادي. (البخاري 4419, مسلم 2980) 
وهذا يثبت ما تناقله الناس منذ القدم من أن المكان الذي يحصل فيه قتل يكون موحشًا في الليل ،وتظهر فيه الأشباح.

*علاقة منطقة ثعبات بالمناطق المجاورة.
كما إن خصائص المكان الداخلية تعتبر ملك أهله.
فإن سحر المنظر الخارجي للمكان ،يعتبر ملك من يطلّ عليه.
ومنطقة الديم بحكم ارتفاعها ،تتقاسم سحر منظر منطقة ثعبات ومدينة تعز مع المناطق المجاورة لها ،ولذا فمن حقها أن تنزعج لتقلص المساحات الخضراء في ثعبات ،نتيجة العمران الذي نراه يقضم تلك المساحات بشراهة ،وكأنها قطعة حلوى.

ختامًا
هذا جزء يسير من إنطباعي عن ثعبات ،وترجمة فورية لجزء من المشاعر تجاهها ،ومهما كتبنا عنها لن نفيها حقها ،فهي عظيمة بعظمة تاريخها ،ورائعة بروعة ما تحتويه ،وغامضة بغموض أسرارها التي ما تزال مدفونة ،ولنا فيها أهل وأصدقاء وزملاء ،وأساتذة تعلمنا حروف الأبجدية على أيديهم فلهم منا جميعًا كل الحب والتقدير .
***
محمد أحمد الدِّيَم 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق